من يحكم البحث بالذكاء الاصطناعي؟ تحليل لثلاثة من أشهر البيانات تكشف التحولات الكبرى
تسيطر حالياً منصتان رئيسيتان على مشهد البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي، لكن بقواعد مختلفة: تتبنى “ChatGPT” نهجاً تجريبياً متقلباً يوسع نطاق المصادر والعلامات التجارية المذكورة، بينما تظهر “Google AI Mode” تحكماً أكثر تحفظاً وتركيزاً. تكشف بيانات “مؤشر الرؤية للذكاء الاصطناعي” خلال أغسطس وسبتمبر وأكتوبر عن تقلبات هائلة، أبرزها التصحيح الكبير لاعتماد “ChatGPT” على “Reddit” كمصدر، في الوقت الذي زاد فيه استخدام “Google AI Mode” للمنصة ذاتها. تظهر النتائج أن قمة هرم العلامات التجارية مستقرة نسبياً، لكن التنافس محتدم في المراكز المتأخرة، وأن على العلامات التجارية تبني استراتيجيات مختلفة لكل نموذج بحثي للظهور الفعال.
تطور مصادر المعلومات في البحث بالذكاء الاصطناعي
التقلب الكبير في مصادر “ChatGPT”
شهدت “ChatGPT” تحولاً جذرياً في سياسة استخدام المصادر. بين أغسطس وأكتوبر، ارتفع عدد المصادر المستخدمة في إجاباتها بنحو 80%، مما يشير إلى توجه واضح نحو تنويع المعلومات وتقديم إجابات أكثر شمولاً من منصات متعددة. كان هذا التحول موحداً عبر جميع القطاعات، حيث تضاعف عدد المصادر تقريباً في معظمها. يأتي هذا في إطار ما يشبه “التجريب” المستمر من قبل “ChatGPT”، في محاولة لتحسين جودة وموثوقية ردودها.
استقرار نسبي في مصادر “Google AI Mode”
على النقيض، ظهرت “Google AI Mode” أكثر تحفظاً واستقراراً. ارتفع عدد المصادر المستخدمة بنسبة 13% فقط خلال الفترة نفسها. يُشير هذا إلى أن “Google” تطبق ضوابط وسياسات أكثر وضوحاً وتحديداً بشأن التوصيات والمصادر التي تظهر في إجاباتها. قد يعكس هذا نهج “Google” الحذر، المعروف من بحثها التقليدي، تجاه التجارب في منتجاتها الجديدة، وتركيزها على جودة وثبات النتائج منذ البداية.
معركة المصادر: قصة “Reddit” المتقابلة
تمثل قصة منصة “Reddit” التغير الأكثر إثارة في بيانات المصادر:
- في “ChatGPT”: شهدت “Reddit” انخفاضاً هائلاً بلغ 82% في نسبة التغطية (عدد النصوص التي استُخدمت فيها كمصدر). في أغسطس، كانت تُستخدم كمصدر بمعدل غير طبيعي بلغ 1.35 مرة لكل إجابة (أي بنسبة 135%)، مما يشير إلى إفراط في الاعتماد عليها. بحلول أكتوبر، صححت “ChatGPT” هذا الوضع، وانخفضت النسبة إلى حوالي 24% من النصوص، لتصبح رابع أكثر المصادر استخداماً بعد “Wikipedia” و”Forbes” و”Amazon”.
- في “Google AI Mode”: حدث العكس تماماً. زاد استخدام “Reddit” كمصدر بنسبة 74%، لتصبح ثاني أكثر المصادر ذكراً بعد “Amazon”، حيث ظهرت في 20% من النصوص.
هذا التباين يوضح كيف أن “القواعد” غير مكتوبة بعد، وكل نموذج يختبر ويعدل مساره بشكل مستقل. بينما تتراجع “ChatGPT” عن الاعتماد المفرط على المحتوى المجتمعي، تكتشف “Google” قيمته.
كيف تتعامل النماذج مع ذكر العلامات التجارية؟
كيف تظهر في البحث بالذكاء الاصطناعي
نهج “ChatGPT” التوسعي
اتجهت “ChatGPT” نحو زيادة تنوع العلامات التجارية المذكورة في إجاباتها. بين أغسطس وأكتوبر، زاد العدد الإجمالي للعلامات المذكورة بنحو 12% قبل أن يستقر. كان هذا النمو غير متسق عبر القطاعات:
- الإلكترونيات الاستهلاكية: قفزة كبيرة بأكثر من 20% في عدد العلامات الفريدة المذكورة.
- التقنية والبرمجيات: زيادة بنسبة 12%.
- القطاع الحساس (YMYL) – التمويل: انخفاض ملحوظ بنسبة 15%، مما قد يعكس حذراً متزايداً في المجالات التي تؤثر على الصحة أو المال أو السلامة.
نهج “Google AI Mode” الانتقائي
سلكت “Google AI Mode” مساراً معاكساً، حيث انخفض العدد الإجمالي للعلامات التجارية المذكورة بنسبة 4%. كان الانخفاض شبه عالمي عبر القطاعات، حيث خسرت جميعها تقريباً (عدا “الموضة والملابس”) أكثر من 10% من تنوع العلامات المذكورة. هذا يشير إلى أن “Google” تفضل التركيز على مجموعة أصغر وأكثر رسوخاً من العلامات التجارية في كل مجال، بدلاً من تقديم قائمة موسعة من الخيارات.
استقرار العلامات التجارية الكبرى رغم التقلبات
رغم هذه التحركات على المستوى العام، تظهر البيانات أن العلامات التجارية الراسخة في المراكز الأولى تتمتع باستقرار ملحوظ:
- من بين أفضل 100 علامة تجارية حسب “حصص الصوت المُرجحة”، دخلت 25 علامة جديدة فقط القائمة على مدى ثلاثة أشهر. غالبية هذه العلامات الجديدة كانت في النصف الثاني من القائمة (المراكز 51-100)، بينما دخلت علامتان فقط إلى المراكز الخمسين الأولى.
- هناك تشابه كبير بنسبة 61% في العلامات التجارية الأفضل أداءً بين نموذجي “ChatGPT” و”Google AI Mode”. هذا يعني أن النجاح في أحد النموذجين غالباً ما يصاحبه نجاح في الآخر.
- لدى أفضل 15 علامة أداءً بشكل عام، كانت التغيرات في حصص الصوت ضمن نطاق ضيق نسبياً (±20%). على سبيل المثال، شهدت “Google” زيادة 5.92%، بينما خسرت “Samsung” 11.53%، وحافظت “Apple” على استقرارها بزيادة 1.81%.
استراتيجيات للعلامات التجارية في عصر البحث الجديد
تكييف المحتوى مع أولويات كل نموذج
نظراً للاختلاف الجذري في المصادر التي يعتمد عليها كل نموذج، يجب على العلامات التجارية تطوير استراتيجيات محتوى مخصصة:
- لتحسين الظهور في “ChatGPT”: ركز على تنويع أشكال المحتوى عالي الجودة. شهدت مصادر مثل “Forbes” و”Medium” زيادات كبيرة (44% و41% على التوالي)، مما يشير إلى قيمة المقالات التحليلية والرؤى المتخصصة. حاول أيضاً أن يكون محتواك مرجعياً شاملاً، يشبه في قيمته محتوى “Wikipedia”.
- لتحسين الظهور في “Google AI Mode”: أولوية هي الظهور في منصات البيع والتقييمات مثل “Amazon” (المصدر الأول) و”Best Buy” (التي زادت بنسبة 43%). بالإضافة إلى ذلك، زادت أهمية المحتوى المجتمعي والمراجعات الحقيقية كما في “Reddit” و”Youtube”. يجب أن يكون المحتوى واضحاً، واقعياً، ويعالج استفسارات المستخدمين المباشرة.
المراقبة المستمرة والتكيف السريع
بيانات الثلاثة أشهر تثبت أن مشهد البحث بالذكاء الاصطناعي سريع التغير ولا يمكن التنبؤ به. ما ينجح اليوم قد يتغير غداً. يجب على العلامات التجارية:
- مراقبة ظهور علامتها التجارية بانتظام في إجابات النماذج المختلفة، خاصة في قطاعها.
- تتبع المصادر التي يثق بها كل نموذج في مجالها، وفهم نوع المحتوى الذي تقدمه هذه المصادر (هل هو مراجعات، بيانات منتج، تحليلات؟).
- الاستعداد للتكيف السريع مع التحديثات الكبيرة، مثل التصحيح الذي حدث لـ “Reddit” في “ChatGPT”.
بناء قوة علامة تجارية شاملة
الاستقرار النسبي للعلامات الكبرى يخبرنا أن القوة والاعتراف بالعلامة التجارية لا يزالان عاملين حاسمين. لا يكفي التركيز على تحسين محركات البحث التقني فحسب. يجب العمل على:
- زيادة الوعي بالعلامة التجارية بشكل عام.
- الحصول على ذكر في وسائل الإعلام والمصادر الموثوقة التي تعتمد عليها النماذج.
- تشجيع المراجعات الإيجابية والتواجد في منصات التجارة الإلكترونية والمجتمعات عبر الإنترنت.
الأسئلة الشائعة ( بيانات البحث بالذكاء الاصطناعي )
نعم، لا تزال “Reddit” مصدراً حيوياً. في “ChatGPT”، رغم انخفاضها الكبير، فهي لا تزال ضمن أهم 10 مصادر في جميع القطاعات، والرابع بشكل عام. في “Google AI Mode”، ازدادت أهميتها لتصبح المصدر الثاني. المنصة لا تزال نقطة اتصال حاسمة للمحتوى المجتمعي الحقيقي.
تشير البيانات بقوة إلى حدوث تعديل. الزيادة الهائلة (80%) في عدد المصادر المستخدمة لكل إجابة، والانخفاض الكبير والمركّز في استخدام “Reddit”، يشيران إلى “تغيير يدوي” أو ضبط في كيفية تكوين الإجابات، بهدف زيادة تنوع المصادر وموثوقيتها.
لا يبدو أن للتغيير تأثير مباشر وواضح على البيانات. لو كان نموذج الذكاء الاصطناعي يعتمد فقط على النتائج العشر الأولى، لشهدنا تحولات أكثر جذرية في المصادر المذكورة. التغيرات الحالية، مثل صعود “Reddit” في “Google AI Mode”، تبدو مرتبطة أكثر بتجارب وتعديلات داخلية في نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه.
التصنيفات مستقرة نسبياً في القمة، لكنها متقلبة في المراكز المتأخرة. العلامات التجارية الأكثر هيمنة تبقى صامدة، لكن هناك حركة دائبة في النصف السفلي من قائمة أفضل 100 علامة، مع دخول وخروج متكرر، مما يخلق فرصاً للعلامات الصاعدة.
تتفق النماذج على العلامات التجارية أكثر من اتفاقها على المصادر. هناك تشابه بنسبة 67% في العلامات التجارية الرائدة بينهما، مما يشير إلى إجماع على من هم اللاعبون الرئيسيون في السوق. لكن التشابه في المصادر المستخدمة منخفض جداً (حوالي 30%)، مما يؤكد ضرورة وجود استراتيجيات تحسين منفصلة لكل نموذج.
شهد قطاعا الإلكترونيات الاستهلاكية والتقنية والبرمجيات أكبر زيادة في تنوع العلامات المذكورة في “ChatGPT”. على العكس، كان قطاع التمويل أكثر القطاعات تراجعاً في “ChatGPT” واستقراراً في “Google AI Mode”، نظراً لحساسيته (YMYL) والمخاطر المرتبطة به.
الفرصة الأكبر تكمن في المراكز بين 50 و100، حيث شهدنا معظم الحركة والدخول الجديد. يمكن تحقيق ذلك من خلال الاستهداف الدقيق للمصادر المتوسطة الحجم التي يعتمد عليها كل نموذج في القطاع، وتقديم محتوى فريد يملأ فجوة لا تغطيها العلامات الكبرى، والتفوق في منصات معينة مثل “Reddit” للمحتوى المجتمعي المتخصص.
يعد مقياس “حصص الصوت المُرجحة” (Weighted Share of Voice) مفيداً. لا يحسب فقط عدد المرات التي تُذكر فيها العلامة، بل يأخذ في الاعتبار أيضاً موقع الذكر في الإجابة، وشعبية النص الذي تظهر فيه. يعطي هذا صورة أوضح عن التأثير الفعلي والرؤية مقارنة بالمقاييس الكمية البحتة.
خاتمة: من يحكم البحث بالذكاء الاصطناعي؟
الإجابة ليست واحدة. “ChatGPT” تحكم بقواعد المرونة والتجريب السريع، بينما تحكم “Google AI Mode” بقواعد الحذر والتحكم التدريجي. البيانات تظهر أن لا أحد يملك الصيغة النهائية بعد. المعركة الحقيقية تدور بين فلسفتين: واحدة توسعية تبحث عن إجابات شاملة من كل زاوية، وأخرى انتقائية تفضل التركيز على ما هو مثبت وموثوق. ما يعنيه هذا للعلامات التجارية والمسوقين هو نهاية استراتيجية “مقاس واحد يناسب الجميع”. النجاح سيكون من نصيب من يفهم هذه القواعد المتغيرة، ويبني مرونته، ويستثمر في خلق قيمة حقيقية تدركها وتوثق بها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، أياً كان شكلها النهائي.
ابدأ الآن في تطوير استراتيجيتك الفعالة للبحث بالذكاء الاصطناعي. ادرس مؤشر الرؤية بنفسك لتفهم تحولات قطاعك، وقم بمراجعة محتواك الحالي لتقييم مدى ملاءمته للمصادر المفضلة لدى كل نموذج. لا تنتظر حتى تستقر القواعد، لأن من يتحرك اليوم سيبني ميزة تنافسية يصعب اللحاق بها غداً.



